القاضي النعمان المغربي

158

تأويل الدعائم

ويتلو ذلك ما جاء عن جعفر بن محمد صلوات اللّه عليه أنه قال : وللإحرام مواقيت خمسة وقتها رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله ؛ فوقت لأهل المدينة وما والاها ذا الحليفة وهو مسجد الشجرة ولأهل الشام الجحفة ، ولأهل اليمن يلملم ، ولأهل الطائف قرن ، ولأهل النجد العقيق ، فهذه المواقيت لأهل هذه المواضع ولمن جاء من جهاتها من أهل البلدان ، ومنها يكون الإحرام بالحج والعمرة ، وتأويلها في الباطن أنها حدود الشرائع وهي خمسة شرائع شرعها اللّه عز وجل للعباد ، شريعة نوح وشريعة إبراهيم وشريعة موسى وشريعة عيسى وشريعة محمد صلى اللّه عليه وعلى جميع إخوانه المسلمين وعلى آله الطاهرين ، ومن ذلك قول اللّه عز وجل وهو أصدق القائلين : « شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ » « 1 » فإذا صار من يريد الحج إلى حد الإحرام نزع ثيابه المخيطة التي كان يلبسها واتزر بثوب ، وارتدى بآخر يكونان أبيضين نقيين ، ومثل ذلك في الباطن أن الثياب كما ذكرنا فيما تقدم مثلها مثل الظاهر ، وما كان منها صحيحا فمثل الصحيح من الظاهر ، وما كان منها أبيض نقيّا فمثله مثل ما لم يتغير ولم يدنس من ظاهر الدين ، وما كان منها قد قطع ولفق بعضه إلى بعض فمثله مثل ما قد غيره وألفه وجمعه أهل الشرائع من ذات أنفسهم بآرائهم ، فذلك يجب رفضه على من أراد الدخول في حرم دعوة الحق ، وأن يعتمد على ما يصح من شريعة محمد صلى اللّه عليه وآله مما أتى به عنه أئمة من ظاهر أمر الدين وباطنه ، وذلك مثل الاعتماد على الثوبين الصحيحين الأبيضين النقيين ، إذ ذلك نقى من دنس المبتدعين لم يغيروه ولا أحدثوا حدثا فيه ، ولأن ذلك كان لباس رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) ومثل الثوب الّذي يتزر به وهو المئزر مثل الباطن ، ومثل الّذي يرتدى به من فوقه مثل الظاهر ، لأنه يستر المئزر والمئزر يستر العورة ، فمن لم يكن يعتقد الباطن ويعمل به مع الظاهر بدت عورته ، ويتلو ذلك ما جاء عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمد صلوات اللّه عليه أنه قال من تمام الحج والعمرة أن تحرم من المواقيت التي وقتها رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله ، وليس لأحد أن يحرم قبل الوقت ، ومن أحرم قبل الوقت فأصاب ما يفسد إحرامه لم يكن عليه شيء حتى

--> ( 1 ) سورة الشورى : 13 .